السيد عبد الأعلى السبزواري
149
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
الأول : إنما وجه الخطاب إلى النبي الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) ليعلم الناس أنّ الغرض الأصلي من خلق آدم إنما هو سيد الأنبياء والرسالة التي جاء بها ، وذلك لأن العلة الغائية مقدمة في العلم وإن كانت متأخرة في الخارج ، كما ثبت بالأدلة العقلية ، ويدل عليه بعض الأدلة النقلية ، فأصل الدعوة هي دعوته ( صلّى اللّه عليه وآله ) وإن تعددت الدعاة إليها وتفرقوا في سلسلة الزمان ، ويأتي شرح ذلك عند قوله تعالى : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ [ سورة المائدة ، الآية : 48 ] . وفيه تسلية له ( صلّى اللّه عليه وآله ) بما رأى من الحوادث الواردة على أبيه آدم ، ليصبر على ما يراه من كيد المشركين . الثاني : إنما قال سبحانه ذلك للملائكة ثم بينه للناس لجهات ؛ منها : إظهار فضل آدم للملائكة ، وتعريفه لهم ، وإعلامهم بمقامه بأن له الخلافة في الأرض . ومنها : إظهار ما هو المكنون في نفوس الملائكة على أنفسهم ليعترفوا بذلك بالعجز والقصور . ومنها : الإعلام بأن صنع هذا المخلوق الجديد كان بمباشرته عزّ وجل بلا مداخلة أحد غيره فيه . ومنها : بيان أن ليس للإنسان معرفة حقائق الأشياء ، وأسرار الخليقة وحكمها ، فإن الملائكة مع رفعة شأنهم قد عجزوا عن ذلك . ومنها : أن هذه المحاورة كانت تلطفا منه عزّ وجل وجبرا لما انكسر من نفوسهم حيث صنع اللّه الخليفة من الطين الذي هو دونهم بمراتب . ومنها : إرشاد النّاس إلى المشاورة بينهم في أمورهم ، وأن المشاورة لا تنقص الفرد وإن عظم شأنه ، كما قال تعالى مخاطبا لنبيه ( صلّى اللّه عليه وآله ) : وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [ سورة آل عمران ، الآية : 159 ] . كما أنه أعلمنا بأنه قد رضي لخلقه أن يسألوه عما خفي عنهم . قوله تعالى : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً . الجعل هو الفعل